اجتماعيةمحليمقالات

تقبيطة الكيا بقلم مشرق عباس

الحوار الذي فجره أخيراً إعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر تحالفه مع قائمة «الفتح» فريد من نوعه في العراق، فالنخب المدنية والعلمانية التي تم باستمرار تعريفها باعتبارها أقلية غير مؤثرة لا يتجاوز عددها ركاب «ميني باص» أو «تقبيطة كيا»، كما أطلق عليها أحد قادة الإسلام السياسي، وضعت للمرة الأولى بصمة على نمط المواقف والحوارات السياسية. الصدر كزعيم ديني في نهاية المطاف، كان قد خاض مغامرة كبرى، ونقل تياره الشعبي الواسع نقلة مهمة عندما قرر الوقوف مع الجموع المدنية في ساحة احتجاج واحدة، ومن ثم دعوتها إلى التحالف الانتخابي.
والحزب الشيوعي العراقي الذي استجاب لدعوة الصدر، خاض بدوره مغامرة مشابهة، خصوصاً أن الاوساط المدنية التي كان الحزب قد اصطف معها لسنوات في خندق واحد، انقسمت بشدة أمام مشهد الشراكة المقترحة مع الصدر في ساحات الاحتجاج والانتخابات.

لا يمكن القول إن التحالف الذي جمع بين الطرفين هو اقتراح لاي منهما، بل اقتراح الظرف العراقي نفسه الذي كان وما زال في حاجة إلى إصلاح جذري لإنقاذ الدولة، ومعالجة الخلل في العملية السياسية كاد يودي بالأرض ومن عليها.

على تلك القاعدة الواضحة تفجر الجدل اخيراً، فـ»الاقلية الهائلة» المقتبسة من الشاعر أوكتافيو باث، وقفت لمحاسبة المدنيين داخل تحالف «سائرون» وستحاسب من دخل منهم في كتل اخرى، على اساس المطالبة بالايفاء بالتعهدات، واهمها على الاطلاق منع تشكيل حكومة بطريقة تقاسم الدولة، وتقسيم القرار على الأحزاب، وهي الطريقة التي أنتجت الدولة الفاشلة، كوصم دولي، لا يليق بالعراق ولا بالعراقيين.

تفترض تلك الأقلية أنها تمتلك أدوات التأثير في الشارع وأنها تمتلك عبر إخلاصها وتصديها الطويل والدامي لسلطة الفساد، النزاهة الكافية التي تؤهلها لرفع سقف المطالب بألّا يتم توريط المدنيين العراقيين بحكومة تكون امتداداً لسفر الفساد والعجز والاخفاق.

ليس في النية افتراض أن تحالف الصدر مع «الفتح» يدخل في نطاق الحدود الحمر التي سبق للصدر نفسه ان اعلن عنها مراراً، بل ربما يكون هذا التحالف تراجعاً منطقياً عن تلك الخطوط التي لا يمكن أن تستقيم إدارة أي مفاوضات سياسية بوجودها. لكن حسابات الشارع ليست حسابات طاولة المفاوضات، وما يفهمه الشارع المدني وربما الشارع الصدري بالضرورة، ان الدعم الذي منحه لقائمة «سائرون» كان مشروطاً بالتزام القائمة بثوابت تظاهرات ساحة التحرير.

ارتبك «الحزب الشيوعي» في التعامل مع احباط الجمهور المدني واستيائه، كما ازداد ارتباكه مع حركة الاعتراض من قيادات الحزب نفسه، فأصدر بياناً حاول من خلاله تبرير التحالف الجديد بتجنيب البلد «حرباً اهلية». وقد كان ذلك مبرراً واهياً في الحقيقة، سارع إلى معالجته في نطاق الحوار العلني الذي اصبحت وسائل التواصل الاجتماعي طاولته في بيان آخر أكثر حصافة، أكد فيه الثوابت التي تحكم تحالفه واستعداده للمضي إلى المعارضة وعدم الاشتراك في حكومة تحمل بصمة سنوات الفشل والزيف والتردي، تصنع كما جرت العادة كاقتراح يقدمه قاسم سليماني، ويدعمه بريت ماكورغ.

رفاق الساحات يمكن أن يختلفوا، ويمكن أن يختار كل منهم مساراً يتلاءم مع أولوياته، وهذا ما يفهمه الصدر، مثلما تفهمه «تقبيطة الكيا» ويفهمه «الشيوعي» والنواب المدنيون، وهذا ما يشكل جوهر الحوار الجديد الذي يبدو صحياً للمرة الأولى، ومختلفاً، وضرورياً لخلق رؤية أقل ضبابية عن الثوابت الحزبية والوطنية المشوشة في العراق.

أمامنا وقت طويل، وسجال واسع، قبل ان يتوصل الوسط السياسي الهرم في العراق إلى صوغ نظرية حكم جديدة لا تتضمن أفكار الاستئثار والتحاصص والمؤامرات والتبعية للاجنبي، والأقرب أننا سننتظر إزاحة جيلية كبيرة، تدفع باجيال جديدة إلى الواجهة لتحفر الثوابت الوطنية باعتبارها ليست مادة صالحة للمساومة السياسية.

لكن قبل كل ذلك يجب معاينة قضية محورية تخص مشهداً عراقياً أكثر اتساعاً، فالصدر والشيوعي والنواب المدنيون في البرلمان، مطالبون سواء اختاروا الموالاة أو المعارضة، بإدامة زخم الحوار ليس في ما بينهم فقط، بل على المستوى الوطني أيضاً، وفي نطاق الاستفادة من الأخطاء السابقة التي أنتجها العزوف عن الحوار الصحي بين الجميع ومع الجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × ثلاثة =

إغلاق