مقالات

حين يذبحك أبن عمك بقلم جاسم الاسدي

عدتُ بذاكرتي لأكثر من خمسين عاماً ، حيث لم يكن هناك في الأفق ما يبعث على الكراهية في مدينة أهوارية بإمتياز . سكانٌ محليون من الصابئة المندائيين ، والمسلمين الشيعة ، ومعلمون قادمون من أعالي الفرات ودجلة، حديثة، عنه، هيت المحاويل، الموصل، سامراء،السليمانية ودهوك. أكراد وعرب ويزيديون. بعثيون وشيوعيون وقوميون يتقاسمون بيوت مؤجره متواضعة، بعضمهم مؤمنون وبعضهم ملحدون. ولكن ما يجمعهم روح الوئام ، وقواعد الأحترام، وتبجيل ما يبعث على السلام.
أين نحن اليوم من الأمس؟ أتساءل بمرارة وهاجسٌ يدور في رأسي منذ يومين. أن ما سيقتلنا من يدعي إنهُ إبن عمومتنا. ليس قتلاً برصاصة، ولا بسكين حادة، ولا إغتيالاً تحت عجلات سيارة مسرعة ، وإنما عطشاً وتبديداً لمصادر العيش. وترائ الى فكري ما كتبه أمل دنقل ” لم أكن غازيًا، لم أكن أتسلل قرب مضاربهم ، أو أحوم وراء التخوم ، لم أمد يدًا لثمار الكروم ، أرض بستانِهم لم أطأ ، لم يصح قاتلي بي: “انتبه”! ، كان يمشي معي.. ، ثم صافحني..، ثم سار قليلاً ، ولكنه في الغصون اختبأ! ، فجأةً: ثقبتني قشعريرة بين ضلعين.. ، واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ! ، وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ ، فرأيتُ: ابن عمي الزنيم ، واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم ، لم يكن في يدي حربةٌ ، أو سلاح قديم، لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ ”
روحي تغلي غيضاً لزمن رديئ لم يعد فيه إستماعاً لقول حكيم ، وأخذ برأي عاقل، والمشورة والتروي في إتخاذ قرار لتجنب الخطأ. ألا يكفي ثلاث عشر سنة من وطأة تدمير القرى، والتهجير ، وفقدان الطمأنينة ، والكفاح من إجل البقاء بعد أن جففت الأهوار…كي يستكثروا على الأهوار والأهواريين حقهم في مياة الشرب وإستدامة بيئتهم ومعيشتهم. وهم الذين منحوهم الملاذ الآمن ، وقاسموهم الطعام وأكتووا بنار القمع من السلطة الغاشمة لما فعلوه.
في مجلس النواب ، وأمام منصتهُ الأعلامية وفي القنوات التلفزيونية ترتفع أصوات نواب وسياسيين بالنقد المريرواللوم على وزارة الموارد المائية “لأنها بددت المياة الى الأهوار وشط العرب”.وأقترحت الأستغناء عن زراعة ” الشلب” هذا الصيف في الفرات الأوسط. أي مياه بددت الى الأهوار ومناسيب الفرات لا تزيد في مدينة الجبايش عن متر وبضعة سنتمترات، وتصريف شط العرب لا يزيد عن 50 م3/ ثا .!!!!
أيها الأهواريون هناك منابر سياسية وصحفية تقتلكم بليالي ظلماء ، ليس هناك من يدافع عن حقكم في المياة سوى بضعة أفراد ليس بمقدورهم ان يفعلوا شيئاً، تتقاسم مدن الأعالي غالبية حصتكم من المياة ، ولن يمر في الفرات ضمن أهواركم سوى مياة المجاري وما تخلف من مياة البزل.وستجف رويداً رويداً ليقتلكم الضمأ.
اصحاب النفوذ، والسلطة لن يبالوا بمعاناتكم ، ونوابكم في البرلمان لن يحركوا ساكناً فهم مشغولون بنتائج الأنتخابات ومباحثات تشكيل الكتلة الأكبر وتوزيع المناصب الوزارية والدرجات الخاصة. أنتم ضحية برلمان أدار ظهره لكم وشخصيات سياسية لن تجازف في الدفاع عن حقوقكم .

* الصور الثلاث الأخيرة من جفاف عام 2015

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − 13 =

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق