فنمقالات

*حبالٌ لترجمةِ الحياة*

سلوان إحسان / العراق

يرمي المترجمُ الأيراني حسين طرفي عليوي بحبلهِ الثاني للقارئ العربي عبرَ مختارات ٍقصصية ( مرثية الهواء ) الصادرة عن دار شهريار – البصرة / 2020 ليجرهُ بوعيٍ هادئ الى حركة السرد الرافض لأيدلوجية السرد المعلن من قبل سلطة النص الرسمي وهذا ما يلاحظه القارئ للبيب من ترجمته الأولى لرواية ( العقرب على أدراج محطة انديمشك ) الصادرة ُ عن نفس الدار سنة 2017 والتي تعلنُ رفضها للحرب والموت لكلتا الجهتين .
يعود ُالمترجم مرة ًثانيةً ليرفض الموت عبر ترجمته لأربعِ عشرة قصة ً من قصص رفض الموت والتمسك بأستنشاق الهواء النقي للحياة رغم صعوبته ولذا أختار المترجم لمختاراته هذه المسمى الممزوج بالرثاء ( مرثية الهواء ) وهي أحدى قصص كتاب الموت ويعتبرها المترجم الخيط الفاصل بين الجهتين الموت / الحياة
تبدأ مرثية المترجم عليوي بمقدمةٍ مكللةٍ بالخوف والوّجل ، مرتعشة بين الموت والحياة تحت ثريا ( تقية القصة ) للمترجم والروائي أحمد حيدري وهو يقدم لمحة تاريخية عن نشأة هذا الجنس الأدبي في أيران وسمات تتطور هذا الفن عبر مرحلتين ما قبل الثورة الدستورية وما بعد الثورة الايدلوجية ويعرج بسرعة الطائر ُ الخائف من هبوب الرياح على أسماء الحكائين وعناوين قصصهم ، ليرمي للقارئ اللبيب ناياً ليكمل هو معزوفة رثاء المعرفة لهؤلاء الحكائيين الذين غطتهم رياح كتاب الموت الأيدلوجي ، ثم يطرح تساؤلا عن استمرار حكاية الحياة القصيرة والمقتضبة دون كتابة فصول مفصلة عبر جنس الرواية ويحدد عشرة اسباب مكثفة ومقتضبة وسريعة ليفتح للقارئ باباً للبحث في نور حياة السرد الايراني .
ثم يشرع المترجم عليوي مختاراته في مفصلين أساسيين وهما كتاب الموت / وكتاب الحياة وتبدأ هذه المختارات التسع في كتاب الموت بقصة ( الحفرة لقاص الجنوبي قاضي ربيحاوي ) والذي يبدأ بسؤال ( لمَ لا يعلم أحدٌ بأنني استشهدت ؟ / مرثية الهواء ص15 ليسير هذا التساؤل عبر القصص التسع في كتاب الموت الذي قدمه على كتاب الحياة لأنه كان ذات ولادة غير شرعية في صفحات الحياة للإنسان الايراني فيشرع المترجم بحركة أفقية عبر النصوص المترجمة بإن ينهي صفحات هذا الكتاب عبرأصرار ِ وارادة الحياة لينهي جوابة في قصة الزائر للقاص الأهوازي نسيم خاكسار وهو يقول ( كنّا مجردين عن أي شيء وبقاؤنا لايجدي نفعاً … أخيراً أجبرت على المغادرة ) مرثية الهواء ص 112
فنلاحظ ان المترجم أبدع بتنسيق النصوص لمختاراته لتجيب عن السؤال المركزي في هذه المختارات وهذا مما يضيف جمالاً لحبل الحياة لدى المترجم ويجعلك تسير بخطى حثيثة ودقيقة وأنت تتابع قراءة هذه النصوص وتشاهد ولادة نص جديد ينسجه المترجم بعبقرية من تلك الخامات المزركشة بالوان الحياة الجميلة رغم رائحة الموت فيها
كما يركز المترجم عليوي على فك العقد في حبل السرد الايراني عبر تطور ثيماتة الزمانية وانسيابية تتطوره للأجابة عن رفض الموت الألزامي فنلاحظ يبدأ بترجمة النصوص لكتاب أمتازوا برفض العنف بدءاً من ثمانينات القرن الماضي والتي أجبر فيها الإنسان الايراني والعربي على قراءة الصفحات السود لكتاب الموت لكن بحبال الحب التي يرميها حسين طرفي عليوي وقلب القارئ العربي الذي يقرأ هذه النصوص بشوق يعلن كلا الطرفان قدرتهم على مواصلة الحياة ( لم تزل لدينا القدرة ، فنجذب الحبل ونراه كيف يشق الماء في المدى ) ص138
وما أجملها وهي تصدر من أنامل شاب واعد ومترجم يسير بخطى واسعة ليشرع باب الألفة والمحبة مع أخية العربي ويرفض الموت الالزامي عبر تحرره من قيود الايدلوجية ( كان فرحاً لحريته . مشى لكن الزنجير تابعه كذلك وكان قد تقافز معه )
أرجوا ان يستمتع القارئ العربي الكريم بهذه الحبال الملونة التي يرميها من المترجم حسين طرفي عليوي من غيابة جب الأنقطاع لنقرأ في مشروعه القادم حبلاً جديداًعن السرد الايراني وورشه وخصوصاً وانا لمحت في جل ترجماته لسّير الحكائيين يلوح بمعطف ورشة هوشنك كلشيري فكلنا شوق إن نستمتع مرة ثالثة بترجماته ونبضات الحياة في إيران

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 1 =

إغلاق