مقالات

الصقر العراقي يعود محلقا

✒الدكتور علي يوسف الشكري

مشا بعد غياب عن اروقة الجامعة العربية دام اكثر من ثلاثة عشر سنة بفعل سياسات النظام السابق الهوجاء التي جاءت على الحرث والنسل فحرقت الأخضر بسعر اليابس وجاءت نيرانها على الجار والشقيق. وعودة خجولة متواضعة بعد التحرير لم يكن بد منها
او بديلا عنها دامت لعقد ونصف من الزمان ، يعود العراق لأروقة الجامعة العربية قائدا ورائدا محتفا به بما حقق بعدان نقش المجد في صخر
فقد اعتاد العراق ومنذ قمة القاهرة ١٩٩٠ على تلقي الضربات وفرض العقوبات وإيقاع الجزاءات حتى فرض عليه الحبس منفردا بين جدران الوطن الأسير بعيدا عن الحضن العربي الدافىء ، كيف لا وهو من وعد وهدد وزمجر ونفذ فغزا الجار الأقرب ، بل الشقيق الذي شاركه الدم قبل الحدود والتاريخ قبل الجغرافية والدين قبل العروبة فضلا عن وحدة السلالة والانحدار
وكذب قادته وصدقوا ما افتروا انهم قادرون على أسر وطن الغرباء كما الاشقاء ، فراحوا يهددون الكبار كما الصغار والاقوى كما الأضعف ، بل راحوا يتوعدون صناعهم ومن أنتجهم ناسين او متناسين ان الجميع عالم مطلع ، فما من طاغية مستبد يولد الا وراءه صانع باني ومخطط ومبرمج
وبعد سقوط الوطن أسير القوات الأجنبية راح يبحث عن الحضن الدافىء الذي يعيد له الكرامة المهدورة على يد طاغية أهدر انسانيته قبل الآخرين ، الا ان الصد والمقاطعة وغض الطرف كان البديل ، فراح العراق يبحث في دفاتره وأوراقه عمن يعيد العلاقات ويقيم الصلات ويتبادل التجارات ، فالعراق جريح أسير كسير دمي ، اذ حل الاٍرهاب محل الاضطهاد وراح الدم العراقي يسفك بسعر أرخص من الماء غير الرائق
ومذ قمة القاهرة ١٩٩٠ وحتى قمة السعودية الاخيرة ، كان السائد المعتاد ، تصدر الشأن العراقي شؤون القمة ولكن ليس في جانبه الإيجابي بل في شقه السلبي ، والحصيلة مزيد من المقاطعة والعزلة والتأنيب والتوجيه بوجوب التصحيح والتصويب وتحديد المسار باتجاه هذا او ذاك.
وحدث الانعطاف الأكبر في قمة تونس التي مثل فيها العراق الرئيس صالح ، اذ كان العراق محط أنظار الجميع ، وراح رئيسه مرغوبا مطلوبا يقبل الجميع عليه ولا من مدبر ، فالقوي القائد يطلب اللقاء به والشقيق الودود الذي تبنى الوسطية يحتفي به ، ومن شحت عليه الثروة وضعف اقتصاده راح يرجو وصله .
وحدث الجديد المميز في هذه القمة ، ان العراق من القلائل الذي لم ينتظم لهذا المعسكر او يتحزب لذلك ، فهو صديق القاصي والداني ، الجار اقليميا والبعيد ، من شاركه الحدود ومن قاسمه الدم والعرق .
بل ربما كانت العامة الفارقة التي غابت عن سجل العراق في اروقة القمم ان كل الكلمات راحت تشيد بما أنجز وما حقق ، كيف لا وهو من توحد فيه الدم العراقي ،فاختلط الدم الكوردي بالدم العربي ، وقدم الشيعي نفسه السني في كل الميادين ، فراح العراق موحدا من اقصاه الى اقصاه بعد ان اريد له ان يكون فرق وشيع وملل ونحل ، وآن الاوان لان يعود العراق محلقا في سماء العرب وهو الهازم للارهاب والحامي للديار والذائد عن أشقاءه بعد ان قاتل اعتى ارهاب عرفه التاريخ نيابة عن العرب ، وكيف للعرب ان لا يحتفوا بالعراق القادم وهو من شرع بمشوار المليون ميل بخطوة واثقة . فعادت بغداد تحتضن بين جنباتها وفِي القصرين الرئاسي والحكومي ، الشرق والغرب ، الجار والإقليم ، المتحابين والمتضادين ، فالعراق الجديد عراق الوحدة ، صديق الجميع الا من قرر مجافاته ، عراق ليس فيه تحزب لهذا او مناصبة العداء لذاك ، فالعراق الجديد كما شعبه ، ناصر المظلوم ، غائث الملهوف ، داعم المحتاج مجالس الكبار ، فليس لعراق بتاريخه وجغرافيته وعمقه وثرواته وعلمائه وقادته وطاقاته الا ان يكون قويا ورائدا وقائدا متصدرا ، وربما ستكون ريادته في قمة تونس اول الغيث الذي يبدأ بقطر .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 3 =

إغلاق